الدقْ والسْكات

هادئ، رزين، سخي، مسؤول، منضبط، لا يحب الأضواء، يعشق كل ما هو مستور، ويجيد اللعب تحت الطاولة، في الظلام، حيث لا أحد ينظر إليه.
لولاه لما كان الآخرون يضربون بقوة ويتبارزون فوق الطاولة، فهو الصامت الذي يحترق من تحتهم، ليكونوا هم في مأمن من أي أذى، ويتراقصون في الواجهة ويتنافسون على بساط التوهج.
الخبراء يقولون أنه صاحب الفضل الكبير في تأهل الفريق الوطني إلى كأس العالم، أي هو من كتب شهادة المصالحة مع التاريخ، قبل أن يوقعها رفاقه بمداد ذهبي مختوم بطابع درار وبنعطية.
بلا مبالغة ولا مجاملة، فالرجل يستحق منا أسمى عبارات التنويه والإشادة، ويستحق معها رفع القبعات ليس لحضوره المؤثر فقط ومساهمته الكبيرة في العبور إلى المونديال بصفر هدف على زميله المحمدي، وإنما للطريقة الرائعة جدا التي يؤدي بها، وكأنه بطل مستتر لا يحب إرتداء قناع البطولة والنجومية.
قال عنه الناخب الوطني السابق أنه مدافع عادي لا يستحق تمثيل الأسود واللعب كأساسي، وظلم نفسه قبل أن يظلمه الكثيرون بسبب تأخر خرجاته الإعلامية وعدم فرض نفسه مبكرا في الساحة الصحفية، علما أنه لم يكن يوما سيئا مع الفرق الفرنسية التي لعب لها خاصة في الدرجة الثانية الفرنسية.
لكن الإجتهاد يثمر، والصبر يقود إلى الفرج، هذا الأخير جاء أخيرا على يد هيرفي رونار الذي إستدعاه في أول لائحة أصدرها تأهبا لمواجهة الرأس الأخضر في مارس 2016، بل ومنذئذ واللاعب لا يبارح مكانته الرسمية في التشكيلة الأساسية، ويعتبر بالأرقام والإحصائيات أكثر عنصر إعتمد عليه رونار طيلة مدة إشرافه على عرين الأسود.
هذا إن دل فإنما يدل على معدن لاعبٍ يوصف بالصامت والخجول، لكنه جلاد ومقاتل لا يحدث ضجيجا، شعاره «الدّق والسْكات»، ينسف الهجمات بأناقة ممزوجة بالحزم، ويشل حركة الهدافين بحراسة ناعمة المظهر وحادة الباطن، يتدخل في الأوقات المناسبة ولا يرتكب الأخطاء القاتلة، يؤدي عمله دائما على أكمل وجه وبعلامة التميز، ثم ينصرف فائزا ومتواضعا، وكأنه لم يفعل شيئا ولم يخلف ضحايا في المعركة التي خرج للتو منها.
مشوار دور المجموعات بالتصفيات المونديالية يقول أنه لعب جميع اللقاءات كاملة، وكان أفضل لاعب بين جميع الأسود، وأكثرهم إستقرارا وثباتا على مستوى الأداء والمردود، وأقلهم جلبا للأنظار وحديثا عبر نقاشات وسائل الإعلام والمتتبعين.
إن كانت الأغلبية من المغاربة تحدثت عن كون هدفي درار وبنعطية هما تأشيرة التأهل للمونديال، فأنا أعتبر أن تدخله الرفيع على الإيفواري زاها على مشارف المعترك بطريقة ولا أذكى ولا أروع، هو خاتم جواز الأسود للسفر إلى روسيا، فلو إنفرد الفيل في تلك الفرصة بالحارس المحمدي لسجل بلا شك هدفا، ولزعزع الإستقرار وأربك الحسابات، ومنح الإيفواريين الأمل الكبير لربح المعركة ونسف أحلام المغاربة.
خطأ تكتيكي لا يقوم به إلا عمالقة المدافعين عالميا، وقراءة لعب غاية في الدقة والتركيز، وهدوء عجيب يوحي بأنه بصدد لعب مباراة سهلة وعادية، حتى ولو كانت حبلى بالضغوطات والشحن والصعوبات كما وقع بأبيدجان.
الإنجليز يصنفونه من بين أفضل اللاعبين هذا الموسم بالشامبيون شيب، وأعين كبار المدراء والمراقبين ترصد خطواته تأهبا لإنتدابه، والزمن مهما طال سينصف هذا المدافع ليلعب في أحد أعرق الفرق الأوروبية، لأنه يستحق أغلى المكافآت وأقوى الصفات.
رجاءا أعطوا السيف الناعم غانم سايس حقه ولا تخفوه في جلباب القائد بنعطية، فهو مثله أو أفضل بكثير في عدة جوانب تقنية وتكتيكية، لكنه غير محظوظ، وذنبه فقط أنه ساكن وثابت ويهرب من الفوضى بجميع أشكالها، ويلعب بفريق صغير بالدرجة الأولى الإنجليزية، وليس في الكالشيو وعصبة الأبطال الأوروبية.

 

مواضيع ذات صلة