درس ألماني

راقني التصريح الإعلامي الأخير لمدرب شالك الألماني دومينيكو تيديسكو حول أمين حارث، والذي شرح فيه بشكل مقنع ومفصل سبب سحبه لبساط الرسمية من الدولي المغربي في الأسابيع الماضية، والدواعي التي جعلته يبقيه إلى جانبه لأزيد من 6 مباريات متتالية.
يقول تيديسكو بخطاب المدرب: "منذ إلتحاق حاريث بنا الصيف الماضي وهو يلعب كأساسي ويقدم مستويات رائعة، لقد أعطى الشيء الكثير والكثير للفريق وفرض نفسه بقوة، لكن وكبقية اللاعبين في العالم تراجع أداؤه وهبط منسوبه البدني، وكان من اللازم علينا مساعدته لشحن البطاريات وإعادة تأهيله."
ثم يعود ويتحدث بخطاب المربي قائلا: "مهمتي تتجاوز الأمور التقنية وتشمل أيضا الجوانب النفسية، أنا هنا أيضا لتأطير حاريث وقيادته ووضعه في الطريق الصحيح، هو شاب من مواليد 1997 ويحتاج جدا إلى المواكبة والتأطير في هذا السن، أنا أراقبه وأتتبع جميع شؤونه حياته داخل وخارج الكرة، وقد شاهدته في الأسابيع الفارطة بوجه محبط ومزاج سيء، مما إستوجب مني إراحته والوقوف إلى جانبه حتى يجتاز المرحلة الصعبة التي يمر بها، حاريث لاعب مهم ورائع وعلاقتي معه وطيدة ومقربة، والحديث عن عقوبة أو خروج من الحسابات التكتيكية مجرد شائعات وأخبار كاذبة."
تصريح الرجل المسؤول والذي بالمناسبة يبلغ 32 سنة، يمكن الإستخلاص منه العديد من الدروس والعِبر، أبرزها عقلية المدرب الألماني وتكوينه وشخصيته، وطرق إشتغاله والأدوار العديدة التي يتقمصها، حتى لو كانت بعيدة كل البعد عن صخب الكرة وتشنج الأعصاب وأرق التداريب والتمارين التكتيكية وغيرها..
تيديسكو وفي جمل قليلة أرسل عدة برقيات واضحة، أكد عبرها أنه مربي بدرجة أولى، وتهمه مصلحة اللاعب وحالته الذهنية قبل كل شيء، وحرصه على المواكبة والتتبع اليومي لحياته الشخصية والرياضية، قبل الإهتمام بما يدور في الميدان، في إشارة أن علاقته مع حارث وباقي زملائه أكثر من مجرد علاقة مدرب باللاعبين.
الألمان بمدرسة نموذجية في الحياة عامة وكرة القدم والرياضة خاصة، والأطر التقنية في معاهد التكوين المحلية تتلقى نصف الدروس في المجال النفسي والسيكولوجي، وكيفية المساهمة في تربية الممارسين وتنشئتهم، ومصاحبة اللاعبين وتأطيرهم، وقيادتهم في سن الشباب بمقود التوجيه والمواكبة مع فرامل إنضباط حادة.
شالك بعظمته وتاريخه وألقابه يدربه شاب من مواليد 1985 لم يسبق وأن ركل الكرة، ويخوض تجربته الأولى كمدرب لفريق أول، ورغم صغر عمره وإنعدام خبرته وخطوته الإفتتاحية في درب البوندسليغا، فقد أفلح بكاريزما رائعة ومبادئ صلبة وتفكير تربوي وعقلاني، في قيادة شالك للمرتبة الثانية وراء بايرن ميونيخ، بفيلق من اللاعبين الشباب تتراوح أعمارهم بين 20 و25 سنة، زرع فيهم بذور الحماس وتقرب منهم أكثر من إخوانهم، وعبّر لهم عن حبه وإهتمامه بشؤونهم وحياتهم، فبادلوه ذلك بتحقيق نتائج رائعة ووصافة لم تخطر على بال المتتبعين والرأي العام الألماني.
حاريث محظوظ لتواجده مع مدرب كفء ومربي بعقلية ألمانية، يعرف جيدا كيف يضبط عقارب ساعته ويتحكم في سرعته ويقسّم طاقته، ويمد له أيادي المساعدة والتوجيه بذكاء دون أن يمس بقيمته ومعنوياته، وما أحوجنا نحن في المغرب والوطن العربي لمدربين أمثال تيديسكو الذين يحرصون على التربية أولا والمصاحبة اليومية والتأهيل النفسي، وليس أولئك الذين يُأتى بهم لإدارة التداريب والمباريات وتحقيق النتائج والبطولات فقط، بعقلية ديكتاتورية ومنهجية التخويف والإستغلال ودهس كرامة ونفسية اللاعبين أحيانا.

 

مواضيع ذات صلة