«لّي كْلا حقو يغمض عينيه»

غريبة فعلا هي العقلية العربية في شتى المجالات، ومقرفة هي ثقافة الخلود لدى البعض في مختلف المناصب والمراكز، وإصرارهم على البقاء في الواجهة دائما أبدا.
المغاربة لا يشكلون الإستثناء، ويفكر غالبتهم بنفس الطريقة خصوصا إن كانوا في مواقع المسؤولية والشهرة والقرار، فتراهم يمسكون بالمقود بيد والعكاز في اليد الأخرى، محاولين ما أمكن إخفاء أعراض الشيخوخة العقلية منها والمورفولوجية.
الرياضة وكرة القدم عندنا كعرب ومغاربة تعرف تواجد هذه النوعية من الأشخاص الذين لا يفكرون سوى في الذات، ويرفضون التنازل والنزول من الخشبة وفسح المجال للأطر الشابة، مما يوَلد لدى هؤلاء صراعا ويئسا وشعورا ب«الُحـــــگرة».
إصطدام الأجيال شر لا بد منه في الحياة، فكما لا يتفاهم الجد أو الأب مع الإبن أحيانا لفوارق السن، فالمسؤول والمربي والمدرب المسن قد يصطدم مع المساعدين ولا يجيد التواصل مع الشباب، مما يهدم المشروع ويلوث مناخ العمل ويحول دون تحقيق أفكار لا هذا ولا ذاك.
كيف تريد يا شيخ المدربين والتقنيين أن تخدم الشباب وتؤطرهم داخل الأندية ومراكز التكوين وأنت تكبرهم أحيانا بستين سنة؟ كيف ستتواصل مع جيل مختلف تماما في العقلية والرؤية وزاوية المعالجة للأمور، وأنت خبير محافظ لم يتطور ولم يساير العصر؟ ألم تعرف أن الفئات الصغرى والشبان باتوا يتجاوبون فقط مع بيداغوجية التقرب والمصاحبة، عوض خطابات التهديد والوعيد والقبض بيد من حديد؟ إنْ واصلتَ الإشتغال في منصبك كمدرب أو مدير أو مؤطر وأنت إقتربت أو تجاوزت عقدك السابع، فمتى سيحظى ذلك المربي الشاب بالفرصة وهو الحاصل على أعلى الشواهد العلمية؟
الأوروبيون يحترمون أنفسهم وسيرهم الذاتية ولا يتشبتون بكراسيهم قط، فمع بلوغهم سن التقاعد يشرعون في المغادرة وتسليم المهام للخلف، والأقوى والأجود والأفضل منهم يواصل الإشتغال تحت الطلب والإلحاح إلى غاية بلوغ السبعين عاما، بكل أنفة وكبرياء وإلتزام بتقديم الإضافة.
كُثر هم من إنسحبوا في القمة بإعتزاز وكرامة نفس، تاركين وراءهم ذكريات وبصمات عميقة ومؤثرة، وتاريخا لن يمحوه الزمن، ولن ينقص منه شيئا الخلفاء الذين يتخذونهم قدوات يرجعون إليهم دائما للإستشارة وطلب النصيحة، ويعتبرونهم الأساتذة الخالدين وليس الزملاء المنافسين على المقاعد والخصوم في الملاعب والميادين.
إيمي جاكي، جيرار هويي، أريغو ساكي، كرويف، كابيلو، غي رو، ديل بوسكي، هيتزفيلد، إيريكسون، بيريرا، فان غال والكثير من العمالقة غادروا التدريب برؤوس مرفوعة وسنهم يتراوح ما بين 55 و68 عاما، وآمنوا أن زمنهم مضى والظرفية تتطلب منهم إفراغ الساحة لجيل غوارديولا، سيموني، مورينيو، كلوب وأخرين، فما كان منهم إلا أن يتفرغوا لحياتهم الشخصية أو يتجهوا للتحليل التلفزي، ولم يُسجل عن أحدهم وضع خبرته كمؤطر لدى أكاديميات التكوين القاعدي والعمل مع الناشئين.
أما عندنا نحن فمن فشل أو إنتهت صلاحيته في ميدان التدريب، أو إعتزل كلاعب دولي منذ زمن بعيد، يذهب لمراكز التكوين وتأطير أحفاده اللاعبين، فتكون النتائج كارثية والحصيلة فارغة، ونتساءل حينها لماذا لا نكوّن اللاعبين؟

 

مواضيع ذات صلة