إكتئاب الرسام

نادرون جدا هم اللاعبون الذين يلقون الإجماع وحب الجماهير العالمية، وقليلون هم النجوم الذين يقف لهم الخصوم تحية وتصفيقا وإشادة، ومحدودة هي قائمة الأساطير الذين فازوا بكل الألقاب الممكنة وتركوا أسماءهم خالدة وسمعتهم رائعة لدى جميع عشاق الرياضة وكرة القدم.
الرسام أندريس إنييسطا واحد من هؤلاء القلة الذين لن ينساهم التاريخ أبدا، كيف لا وهو اللاعب الخلوق والقدوة، والنجم الخارق والمتواضع، والذي توج بكل الكؤوس والألقاب الممكنة محليا وقاريا ودوليا، فبكت إسبانيا وبرشلونة وأوروبا على رحيله الصيف الماضي عن قلعة الكامب نو بعد 15 عاما من المجد والسمو والبطولات.
إنييسطا الذي حافظ طيلة مشواره القريب من نهايته على أخلاقه من إختراق «فيروس» الغرور والغطرسة والتكبر، أطل مؤخرا من اليابان حيث يعيش مغامرة مع فريق فيسيل كوبي بحوار مثير جدا وغير مسبوق، لإحدى المحطات التلفزية الإسبانية التي ذهبت خصيصا لملاقاته بأقصى شرق آسيا، ونقلته عدة صحف ومجلات بكطلانيا ومدريد، كشف فيه صاحب 35 لقبا مع البارصا ولاروخا عن وجهه الآخر كإنسان، والصورة الخاطئة التي يأخذها عامة الناس عن المشاهير والنجوم في الرياضة وبقية المجالات.
يقول إنييسطا عن جانب من حياته وشخصيته: «لا يعرف الكثيرون أنني أذهب لطبيب نفسي، لم أكن أشعر بالسعادة، دخلت في حالة أقرب إلى الإكتئاب منذ أن فزت بجميع البطولات مع برشلونة ما بين 2009 و2010، أصِبتُ بالتشبع حينما حققت كل شيء، الضغوطات والنجاحات والبطولات على المستويات كافة جعلتني أطلب التعافي بمساعدة طبيب نفسي.»
ويتابع: «حينما تصل إلى أهدافك وتنال كل شيء وتملك كل شيء فإنك لا تشعر بالسعادة، هذا ما حدث لي، وقد يعتقد البعض أن السعادة الكاملة في أن تملك كل شيء، للأسف هناك جانب آخر مؤلم وغير معروف، ومخالف عن ما يظنه الآخرون..المتعة تكون أكبر في السعي والمحاولة ومطاردة الهدف، لكن عند تحقيقه تزول اللذة بسرعة وتغيب معها السعادة.»
إنييسطا الإستثنائي تخلص من قناع النجومية وتحدث كشخص طبيعي وإنسان واقعي، وأفصح لأول مرة عن بعض قصص حياته الشخصية كمعاناته للزواج وهو نجم من نادلة بأحد المطاعم، إضافة إلى آرائه النبيلة والصادقة حول بعض القضايا الإجتماعية والسياسية والرياضية.. وحديثه عن لحظة فراقه لزملائه ببرشلونة بعدما شعر بأن بطاريته فرغت، ولم يعد قادرا على اللعب في أعلى المستويات بأوروبا ويشكل حملا ثقيلا على ناديه وجماهيره.
أخلاق وخجل وإحترافية الرسام جعلته يُصنف في خانة أكثر اللاعبين روحا رياضية في تاريخ كرة القدم، وأحد أنظف وأشرف الرياضيين وأفضلهم سلوكا، فلم يسبق وأن جرح لاعبا أو أساء لخصم أو مسؤول أو حكم، ولم يحصل قط على بطاقة حمراء في أزيد من 800 مباراة لعبها مع برشلونة والمنتخب الإسباني، وحتى البطاقات الصفراء فهي لا تتجاوز 50 إنذارا وكان الحكام يستحيون قبل إشهارها في وجهه.
هذا الرجل الحساس والعاطفي والذي كان يبكي كل ليلة في شبابه لأنه لا يعيش مع عائلته، علمّنا وما يزال حب العطاء والتفاني والجدية والإخلاص والأخلاق والقيم، وأعطانا كبشر معاني الإنسانية والتواضع والخجل حتى من مواقع النجومية والسلطة، وأن المال والشهرة والألقاب أوهام لا تحقق السعادة، إن لم تكن تقود للإكتئاب.

 

مواضيع ذات صلة