المحترف المقلوب

قبل أيام قليلة تحدثت مليا عن ثقافة المهاجر المغربي في الشق الرياضي ومدى تأثير الأسرة والمحيط الكروي والنادي الذي يلعب له المغاربة من أصول مغربية طبعا، وقلت أن العائلة هي حجر الزاوية في عملية تحفيز إبنها على المواطنة والهوية والدين واللغة والتربية القويمة، وكما قلت أيضا ما دمنا في الرياضة كعملة تلاقح في المجتمعات التي يظهر فيها فلذات أكبادنا على أعلى مستوى من التكوين والإحتراف بالأندية الأوروبية، يظهر العنصر الأسري والتربوي الذي يشكله الأب والأم والخال والعم والخالة والعمة والجد والجدة نمطا مهما في معادلة الإنتماء الفوري وبلا جدال للوطن الذي أنجب أهاليهم منذ زمن بعيد وليس الإعتراف بوطنية وجنسية الآخر على أنه أصل الإنتماء حتى ولو ولدت الأجيال هناك، وجعل قصة البلد الأم حكاية عابرة للآباء والأجداد مع أن الأسر المغربية في المهجر مسؤولة عن هجرتها ومسؤولة عن مكاسب هويتها المفروض أن تترجمها على أرض الواقع في الدين واللغة والتعليم والتقاليد، وما دمنا أيضا في الرياضة، من المفروض أن يكون المولود المغربي على درجة كبيرة من الإنتماء إلى الوطن بتعبئة محضة من الأب والأم والخلايا المجسدة للعائلة، ومن المفروض أن يكرس قيمة الحس الوطني على أنه يلعب لبلده الأصلي حتى ولو لم يستدع إلى المنتخبات الوطنية، ومن المفروض أن يتحدث أيضا بلغة بلده حتى ولو كانت بالعربية أو بالدارجة أو الأمازيغية لأن في ذلك تأصيل رائع من الأسرة التي ربت أولادها على النمط والوثر الحساس للمغرب الكبير.
هذا التأكيد الذي طرحته في سياق التوسع الإحترافي في بقاع المعمور والذي أظهر بالملموس إنفجار التكنولوجيا الحديثة والتواصل السريع عبر المواقع والشبكات العنكبوتية، ما كان ليحضر بهذه القوة التي لم تكن جاهزة على الإطلاق قبل عشرين سنة وما يفوق عندما كان المحترفون المغاربة يشكلون قلة قليلة تموت على الوطن وتبحث عن خيوط التواصل مع الجامعة من أجل حمل القميص الوطني، إلا أن هذه الوضعية تغيرت بكثير (حتى ولو آمننا بحضور الوجوه الكبيرة التي حملت القميص الوطني بروح المسؤولية إلى اليوم) عندما أصبح المحترف المغربي بين قناعين مختلفين في الهوية وبين التردد الذي لا يمكن على الإطلاق الركوع له أو التودد للاعب من أجل حمل القميص الوطني، وما حصل لمنير الحدادي وكريم بلعربي وحتى بعض الوجوه الهولندية التي تلعب بالمنتخبات الفرعية لما تحت الكبار، لا يمكن السكوت عليه في عالم يساءل عنه أولياؤهم بالدرجة الأولى حتى ولو ضغط عليهم من لدن الأندية التي يلعبون لها، والحاجة إلى مثل هؤلاء بهذه الدرجة من التقرب والإستعطاف غير مقبولة ما داموا لا يدركون أن أصولهم المغربية لا تباع ولا تشترى، ولكنهم يعرفون أنهم مغاربة من الأب والأم والأجداد، ولكن يفضلون بلدا آخر لأسباب يتحملها الجسم الأسري.
المشكلة، أن الكرة المغربية هي التي أوقعت نفسها في هذا الشؤم الخبيث من الإستعلاء الذي يتباهى به المحترف من خلال التردد والتفكير في حمل القميص الوطني مع أن غالبية من حملوا القميص الوطني إختاروه بالقلب والروح منذ زمن ليس ببعيد، في وقت تغيرت الصورة الآن مع نجوم صغار تأثروا بالعالمية وتناسوا أنهم مغاربة الأصل ولا يمكن أن يعطيهم المنتخب المغربي أي شيء مثلما يجدوه ألف مرة بمنتخبات أخرى. 
المشكلة، هي أن أنديتنا ضعيفة في التقويم التقني والبشري وضعيفة في صناعة النجوم الذين شكلوا إلى وقت قريب أحد أعمدة الأندية الأوروبية، ومعهم تشكل المنتخب المغربي، كما كان المحترف المغربي بأوروبا هو من يبحث عن وسيلة التقرب من المنتخب المغربي، وليس العكس كما هو تابت الآن في ظل هرم مقلوب لكرة وطنية لا تملك الجرأة على تصدير المنتوج المغربي إلى أوروبا، ولو كانت الكرة المغربية قائمة على قواعد احترافية صلبة لكانت النتيجة الآن حتمية وبتعبئة مضاعفة لجيش من النجوم التي تصدر إلى الخارج، ولما كانت الحاجة إلى المحترفين بأوروبا قائمة أيضا إلا من باب النجومية العالية والرغبة الجامحة لذات النجم لحمل القميص الوطني أيا كانت المضايقات.
واليوم، لا يمكن أن نطالب بأكثر الأحلام لحيازة الألقاب رغم هذا الركام البشري من المحترفين الذي يشكلون النواة الأصلية للمنتخب المغربي مع أن الفوارق تختلف بين لاعب وآخر في القتالية والتعبئة المضاعفة لأنه ولغاية الأسف ليس لدينا أمثال كريمو وحجي والتريكي وغيرهم ممن حملوا القميص بأعلى وسمو الروح.

 

مواضيع ذات صلة