بنعطية.. الدرس العملاق

المهدي بنعطية، المغربي القح، والصخرة الصامدة، والخبرة الإيطالية التي تناغم معها بتدرج سريع من أودينيزي ثم إلى أيس روما، وبعدها إلى واقعية الألمان بنادي الباييرن عملاق الكرة الأوروبية في مصاف الأندية الشهيرة، لم يعد لاعبا عاديا رغم أنه فتى متخلق وغير متكبر مهما رصدته الأضواء، ولم يعد لاعبا لجمهور معين بقدر ما أصبح ملكا لأنصار الدول التي لعب لها بفرنسا وإيطاليا وألمانيا وأقواها في التجليات مغربه ووطنيته وقميص بلاده. هو هذا المهدي بنعطية الذي كسب عشق كل المغاربة والعرب وأوروبا، وتولى القيادة الإحترافية بصمت التحولات من صغار الأندية إلى عمالقتها وبأقوى الصفقات التي لم يستطع أي مغربي أو عربي الوصول إليها في تاريخ الكرة برغم مرور نجوم مغاربة كبار حسب اختلاف الأزمنة والصفقات في وقت أصبح المال سيد البحث عن النجوم العالمية. وبنعطية عندما انتدبه روما من أودينيزي، لم يكذب اختياره في سنة حصل فيها على لقب أفضل المدافعين بالكالشيو الإيطالي، ثم نال جائزة أفضل لاعب عربي بالإمارات في حفل تاريخي استقبل فيه النادي الملكي بكل الألقاب أيضا، رغم أنه همش إفريقيا من جائزة أفضل لاعب إفريقي أيضا، ويصارع حاليا على لقب الأسد الذهبي الذي تخصصه جريدة «الـمنتخب» سنويا لأفضل لاعب إفريقي. طبعا الحديث عن بنعطية مثله مثل كافة الوجوه المتطلعة على صعيد الإحتراف بالمغرب أو بأوروبا، إلا أن ما يمنحنا صفة التعلق ببنعطية هو تقديم الرسالة الجوهرية لكرتنا الوطنية ولأفضلية ما تجود به الساحة من لاعبين لا يثوقون إلى الإحتراف بأوروبا على الأقل لرسم خريطة التوقعات الماضية التي صدرت أكثر من نجم منذ أواخر الثمانينيات إلى اليوم ولعبت لأشهر الأندية الأوروبية في غياب كلي عن هذه الرؤيا التي وضعت مدراء الكرة الأوروبية خارج تصنيف المغرب كبلد مصدر للنجوم، لكنه يبحث عنها لصناعة منتخب وطني كبير من المحترفي المهجر. 
طبعا، هو سؤال المرحلة الذي يقتضي مواجهة المسيرين في طبيعة العمل بالقاعدة الأساس وبأي منتوج تقدم وجوهها لفريق الكبار، وأي من هؤلاء تمتع بحمل قميص نادي أوروبي على أعلى مستوى، هو سؤال موضوع على اللاعب ذاته إن كان فعلا يميل نحو البحث عن الآفاق السامية للاعب دولي من المستوى العالي وليس لاعب مقلدا بالخصائص التي تفقد للشخصية كرامتها، والحقيقة أن هوية الكرة المغربية ماتت لفقدان رجال القرار بالميدان ومن طينة بنعطية ليس لأنه مدافع ولكن من خصوصيات جميع الأدوار التي نبحث عنها في صناعة حراس من طينة الزمن الجميل، ومن مدافعي الإختصاص، ومن أذكياء وصناع الفرجة الوسطية في القتالية والبناء والسخاء، ومن القناصة المجيدين لتخليق المواسم بالندية والصراع الدائم للقب الهدفين على الأقل لتكسير الرقم القياسي للقنيطري البوساتي.
المشكلة في أن من يتفرج على الكرة العالمية اليوم وبخاصيات كبار نجوم العالم وحتى العاديين من المستوى العالي، لا يبحث عن نصف يوم لكي يقاتل معرفيا من أجل اكتشاف كيف صار النجم نجما، أو يقاتل من أجل مران إضافي لتصحيح أخطائه، وهذا النمط غير موجود في ثقافة اللاعب المغربي الذي قال عنه الإطار المغربي بحكم تجربته التدريبية «لا يريد أن يتدرب مرتين في اليوم» بينما كنت أعرف الحارس بادو الزاكي كيف كان مرانه قاسيا قبل أن يصبح نجما مغربيا وإفريقيا وأوروبيا، ولا يقتصر اجتهاده على مران واحد مع النادي ولكنه استفاد كثيرا من التأطير في الصغر. وهذ النوع من النجومية في وقت كانت الكرة خشنة في تداولها العام على مستوى الرفس والضرب العلني من الخلف الذي يجازى اليوم بالطرد، أي أن الكرة اختلفت وفاقت السهولة اليوم، كما تغيرت القيمة اللوجيستيكية لما يحمله اللاعب من أقمصة باهضة الثمن وأحذية رياضية من النوع الممتاز وكرات حلوة تنساب فوق بساط أخضر وغيرها من الخصوصيات المقلدة للنجوم في الأوقات التركيزية للمباراة.
هو هذا ما نبحث عنه في غياب النجم المصنوع لأن يكون محط متابعة عالمية، وهذا ما نبحث عنه من أجل أن يتقيد اللاعب المغربي بضرورة المقاومة والقتالية من أجل مكانة دولية في سياق احتراف عالي المستوى، والدرس الذي يعطيه بنعطية في أجمل تصوراته، لابد أن يبحث عنه مغاربة البطولة الوطنية في شق إحترافي بعيد عن الإحتراف بأوروبا أداء وسلوكا وعطاء.

 

مواضيع ذات صلة