عذرا غينيا الإستيوائية

قد تكون غينيا الإستيوائية أخطأت التصور في قبول طرح الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم بتنظيم كأس إفريقيا للأمم بدلا من المغرب الذي بادر بطلب تأجيل النسخة الثلاثين لأسباب صحية معقولة، والفرق السياسية المعارضة بالبلاد ألمحت إلى هذا الرفض من أن البلاد ليست مستعدة لتنظيم الحدث في ظل إكراهات اقتصادية واجتماعية وإدارية، وبدا جليا من أن تسرع الدولة في قبول القرار وضع كل المنتخبات بوفودها وأطقمها وصحفييها في جحيم المعاناة اللوجيستيكية المفروض أن تكون أولوية الحدث في البنيات التحتية والفندقية والتنقل والمعلوميات والإعلام وغيرها من أشكال العبث الأمني أيضا، وشاهدنا كيف عاشت الوفود محنا وأوضاعا مزرية عندما حطت طائراتها في المدن المنظمة بأشكال غير لائقة في التنظيم  وقلة الإمكانيات المرصودة للمنتخبات مثلما حصل لمنتخبات الكونغو الديموقراطية وتونس والجزائر والسنيغال وغيرهم من المنتخبات التي عاشت صراع البحث عن الماء والكهرباء في فنادق متواضعة وإقامات مستهلكة في بلد لا يقل عدد سكانه عن سبعمائة ألف مواطن. 
وللأمانة التاريخية، لابد أن نذكر بأن غينيا الإستوائية أحد البلدان غير الديمقراطية وبين الأفقر في العالم، والرئيس تيودورو اوبيانغ يحكم البلد بقبضة من حديد منذ 35 عاما. وبحثا عن الإعتراف الدولي وسعيا منه إلى تلميع صورته، وافق أوبيانغ على لعب دور المنقذ الذي تشبث به الإتحاد الإفريقي حتى لا تُنظم النهائيات خارج القارة السمراء، وعلق حياتو مازحا عقب موافقة أوبيانغ على الإستضافة قائلا: «قبل شهرين من الحدث، ولقبول تنظيم بطولة مثل هذه، عليك أن تكون إفريقيا قحا».
كما نذكر – وكما صرحت به العديد من الصحف الغينية الإستيوائية - باحتجاج العضو الوحيد في المعارضة البرلمانية في غينيا الإستوائية «بلاسيدو ميكو» واصفا الموافقة على استضافة البطولة بأنها «سخافة، ومظهر من مظاهر انعدام المسؤولية من النظام»، كما وجهت ثلاثة أحزاب معارضة نداء طلبت فيه من الجمهور مقاطعة المباريات إحتجاجا على عدم احترام حقوق الإنسان في هذا البلد. وقالت إن كأس الأمم «ستجعلنا أكثر فقرا وأكثر عبودية»، لكن دعوة المعارضة لا تملك أي حظوظ للإلتزام بها في بلد يقوده أوبيانغ بقبضة حديدية. كما احتجت منظمة مراسلون بلا حدود ضد تنظيم غينيا الإستوائية لأمم إفريقيا وتطرقت إلى «القمع الرهيب ضد حرية الإعلام».
على أي، لا أريد هنا انتقاد غينيا الإستيوايئة من خلال ما يعرض في القصاصات، ولا حتى في ما قيل عن صرامة الدولة، ولكن في الطريقة التي قبلت بها التنظيم المفروض أن يكون خرافيا لسنوات من التحضير وليس  لمدة شهرين من القتالية في كل شيء، كما أن الكأس القارية ليست عبثا على دولة ما تريد تقدمها الرياضي بانسجام وثيق مع تطور الدولة في جميع مناحي التنمية الشاملة، وغينيا الإستيوائية التي تنتقدها الوفود لأسباب واضحة، هي من وضعت نفسها في سلم الجحيم الحالي رغم أنها أنقذت الكونفدرالية الإفريقية من جحيم التأجيل، لكن الضريبة حثما ستكون ثقيلة على البلد وعلى سمعة (الكاف) وحتى على المسابقة التي أجهز عليها لأسباب صحية (وبائية) طالب على إثرها المغرب بالتأجيل عنوة، لكن (الكاف) فضل المال على صحة الأفارقة في وقت تعيش غينيا الإستيوائية معركة كبرى في استقبال الأنصار والوفود على إيقاع الكشف عن عدوى الإيبولا في جميع المطارات ونقط البلاد، وغيرها من معارك الأمن والإقامة والتنقل وظروف العيش القاهرة.
وسيرا على إيقاع إنقاذ ماء الوجه، يمكن أن يحسب لغينيا الإستيوائية تميزها الإنفرادي بقبول التنظيم الذي رفضته دول أخرى لأسباب واقعية، لكن سمعة البلد على كل المستويات يبقى فوق كل اعتبار، وليس كل ما ينقل تلفزيا على ملعب واحد وجميل في مباراة الإفتتاح هو في قمة الروعة، ولكن لا بد من التأكيد على أن ما ينقل في كثير من المحطات على أن مشاكل كبيرة اعترضت المنتخبات إداريا وتنظيميا ونفسيا لغياب شروط الحكامة في جميع الأمور المتعلقة بخصوصيات وحاجيات المنتخبات فضلا عن مطالب القوى الإعلامية في غياب كثير من أشكال اللوجيستيك الخاص بالإعلام. ولذلك نحن أمام كأس إفريقية تدون على مسلك الفشل التاريخي أيا كانت الإعتبارات، ولكنها كأس لإنقاذ ماء وجه (الكاف) التي ترى في اتفاقياتها مصالح كبرى على مصالح مشاكل المجتمعات الصحية.

 

مواضيع ذات صلة