عودة الروح

ما من شك في أن الـمنتخب الـمغربي الذي أنصفته الأقدار بالعودة إلى الواجهة القارية، نال ثقته الكبيرة في جيله الذي كاد يرمى في سلة المهملات من تهور عقابي مغالى فيه، وما من شك في أن رعاة الكرة لا أعني بهم المحتضنين، ولكن عباقرة الـمحترفين وأتحاد الـمحترفين الأفارقة وحتى الأوروبيين، تضامنوا مع الأسود ومع جيله الصاعد لدواعي كروية محضة تشفع لهم روح الوطنية التي لا تأتي إلا في مناسبات يشعر فيها الـمحترف أنه أقرب إلى وطنه وروحه وعقله ووجدانه. والأسود عندما أنصفهم التاريخ بعد أن رمت فيهم سهام التشفي من دول حاقدة، وبعد أن التحمت أخرى من العمق الإفريقي لتتضامن بمسؤولية العراقة والحب الصادق، تأكدوا جليا من هو العدو ومن هو الوفي للمبادئ، وتأكدوا ألف مرة من أن الغادرين هم أكثر من سلسبيل الوفاء. لكن التاريخ الجديد قدم لهم باقة ورد واعتراف وليس شماتة في الآخرين أيا كانت دواعي الحقد البارز كعنوان رئيسي لشماتة الشامتين.
اليوم نعيش جميعا فصلا جديدا من التحديات التي تجعل المغاربة أقوى بلد في القارة السمراء على مستوى احتضان العمق الإفريقي واستقبال الإفريقي وليس إهانته أو تحقيره.. واليوم نعيش فصل العلاقة الجديدة مع الأفارقة في كل الـمناحي التي تجعل من الـمغرب دائما محور الثقافات والحضارات والرياضات وروح التعايش الإنساني والروحي والديني، واليوم نقرأ هذه التصورات على أنها ميلاد لعهد كروي مع محراب (الكاف) الذي كان وما زال بيته من زجاج وتفوح نسائمه من مبادئ المناوبة على البلدان الإفريقية وليس التركيز على مواقع بعينها حتى وإن كان الـمال قوة ظاهرة لدى المعلنين في اختيار البلد أو المساهمة الضمنية في الإختيار كذلك. طبعا عندما أقدمت (الكاف) على اختيار الغابون كدولة منظمة ووضعت الجزائر في ثلاجة منسية رغم القوة التي يلازمها راوراوة داخل الـمحراب «الكافوي»، إنما لازمت مبدإ عدم اختيار نفس الـموقع الجغرافي لشمال إفريقيا من مؤدى أن الـمغرب الذي حظي بهذا التشريف لم ينظم الدورة لوجود قوة قاهرة، ولن يكون الجزائر في نفس الـموقع تداوليا وفي نفس السنة الموالية أيضا. ولذلك نجحت (الكاف) في هذه التخريجة حتى ولو كان كبار المستشهرين والمعلنين مؤثرين في العملية، وبذلك نكون جميعا قد ربحنا مسلك 2017 في دولة تحب المغرب جملة وتفصيلا، ومن الأفيد أن نلعب في الغابون على أن نلعب في الجزائر لأسباب حتما ستكون وخيمة مثلما كان الحال عليه حتى في طلب الـمغرب تأجيل نسخة 2015، وكان من ورائه سيل هيستيري من عداوة  الجار لحد الكراهية المطلقة.
قلت، اليوم نعيش فصلا جديدا مع عودة الأسود إلى روح العمق الإفريقي، والروح ستتغدى بموازين مشروع كأس إفريقية مطلوب أن نحضرها من جلباب مجموعة نجد فيها أنفسنا أمام رأس أخضر عذب أقوى المنتخبات رغم أنه حديث الظهور قبل أربع سنوات، وما زال يكرس مبدأ المناوشة والصراع على الأحداث أيا كانت قوة المنتخبات الإفريقية، كما أننا أمام قوة ثانية ليبية ربما تقل أوزانها للمطحنة التي تعيشها ليبيا، وفي مقام ثالث أمام سامتومي المجهول الأخير في مواقع المنتخبات المختارة من دولة لا يقل سكانها عن 150 ألف نسمة. وهذه الباقة من المختارات الإفريقية ستدفع منتخبا واحدا للتأهل إلى النهائيات، ولن يخرج طبعا عن المغرب والرأس الأخضر بتوابل المحترفين البرتغاليين، ما يعني أن الـمعركة تنبني على حزمة النقاط والتقيد بحكمة الأمور الخفية فيما لو طرحت أشكال الإعتذار، كما أن الـمنتخب الوطني الذي سيدخل النزالات من يونيو المقبل مفروض عليه أن يقرأ كل التفاصيل الدقيقة لكافة المنتخبات سواء بالشرائط أو الرحلات التجسسية ومتابعة كل العناصر الدولية للمنتخبات بعين الرجل التقني المبدع وليس المحلل العادي. صحيح أن الفوارق تختلف بين المنتخبات، ولكن من الضروري عدم الإستهانة بأي كان حتى ولو كان الرأس الأخضر بعينه، وعندما يفوز الأسود على هذا الرأس، سيضعون رجلا حقيقية في (الكان) القادم، ولكن من أين سنعثر على مفاتيح الفوز ؟
ختاماً، سعداء بروح عودة الـمغرب إلى الواجهة، وسعداء بأن نعيش فصول بناء منتخب وطني أعطى تطمينات الإرتياح في هزيمة ودية بطعم الفوز الأدائي والرجولي أمام الأوروغواي.

 

مواضيع ذات صلة